ابن عجيبة
318
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ أي : أجيبوه فيما دعاكم إليه ، وَلِلرَّسُولِ فيما دلكم عليه من الطاعة والإحسان ، إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ من العلوم الدينية ؛ فإنها حياة القلب ، كما أن الجهل موته ، أو إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ الحياة الأبدية ، في النعيم الدائم ، من العقائد والأعمال ، أو من الجهاد ، فإنه سبب بقائكم ؛ إذ لو تركتموه لغلبكم العدو وقتلكم ، أو الشهادة ، لقوله تعالى : أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 1 » ، ووحد الضمير في قوله : إِذا دَعاكُمْ باعتبار ما ذكر ، أو لأن دعوة الله تسمع من الرسول . وفي البخاري : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم دعا أبىّ بن كعب ، وهو في الصّلاة ، فلم يجب ، فلما فرغ أجاب ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما منعك أن تجيبني ؟ فقال : كنت أصلى ، فقال : ألم تسمع قوله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ . » « 2 » فاختلف فيه العلماء ، فقيل لأن إجابته صلّى اللّه عليه وسلّم لا تقطع الصلاة ، فيجيب ، ويبقى على صلاته ، وقيل : إن دعاءه كان لأمر لا يقبل التأخير ، وللمصلى أن يقطع الصلاة لمثله ، كإنقاذ أعمى وشبهه . ثم قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ؛ فينقله من الإيمان إلى الكفر ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن اليقين إلى الشك ، ومن الشك إلى اليقين ، ومن الصفاء إلى الكدر ، ومن الكدر إلى الصفاء . قال البيضاوي : هو تمثيل لغاية قربه من العبد ؛ كقوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 3 » ، وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ، مما عسى أن يغفل عنها صاحبها ، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها ، قبل أن يحول اللّه بينه وبين قلبه بالموت أو غيره ، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه ؛ فيفسخ عزائمه ، ويغير مقاصده ، ويحول بينه وبين الكفر ، إن أراد سعادته ، وبينه وبين الإيمان ، إن قضى شقاوته . ه . وَ اعلموا أيضا أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ؛ فيجازيكم بأعمالكم وعقائدكم . الإشارة : قد جعل اللّه ، من فضله ورحمته ، في كل زمان وعصر ، دعاة يدعون الناس إلى ما تحيا به قلوبهم ، حتى تصلح لدخول حضرة محبوبهم ، فهم خلفاء عن اللّه ورسوله ، فمن استجاب لهم وصحبهم حيى قلبه ، وتطهر سره ولبه ، ومن تنكب عنهم ماتت روحه في أودية الخواطر والأوهام .
--> ( 1 ) من الآية 169 من سورة آل عمران . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( تفسير سورة الأنفال - باب قول اللّه تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ . . ) وفيه أن المدعو هو « أبو سعيد المعلى » وليس « أبى » أما حديث أبي فأخرجه الترمذي في : ( فضائل القرآن - باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ) وأحمد في المسند 5 / 114 والدارمي في ( فضائل القرآن - باب فضل فاتحة الكتاب ) والحاكم في المستدرك ( 1 / 558 ) وصححه ووافقه الذهبي . وقال الحافظ ابن حجر : وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبى بن كعب ولأبى سعيد بن المعلى . راجع الفتح 8 / 158 . ( 3 ) الآية 16 من سورة ق .